أخبارأخبار دولية

الهجرة غير النظامية بين سيادة الدولة وابتزاز الخطاب العرقي : بقلم محمد افو

*الهجرة غير النظامية بين سيادة الدولة وابتزاز الخطاب العرقي*

لم تعد الهجرة غير النظامية، في عالم اليوم، ملفًا إنسانيًا فقط، بل أصبحت قضية سيادية واقتصادية وأمنية، تختبر قدرة الدول على حماية نسيجها الاجتماعي واستدامة فرص العمل والاستقرار العام. وفي هذا السياق، فإن السياسة التي تنتهجها الدولة الموريتانية اليوم ليست استثناءً ولا نشازًا، بل هي امتداد طبيعي لما تقوم به كل الدول التي وجدت نفسها تحت ضغط موجات هجرة غير مضبوطة.
التشويش على هذه السياسات باعتبارها “استهداف عرقيا”، ليس إلا حلقة من حلقات الابتزاز السياسي والقيام بأدوار يظن البعض أنها تخدم علاقته مع الدول المتضررة من هذه السياسات في حين أنها في حقيقتها تنظيم قانوني لظاهرة اجتماعية واقتصادية لا يمكن لأي دولة مسؤولة تجاه شعبها أن تتجاهلها.

فالدولة، في جوهرها، ليست كيانًا عاطفيًا، بل مؤسسة لحماية المجتمع الوطني:
تحمي حدوده، وسوق عمله، ونظامه الاجتماعي، واستقراره الديمغرافي، وقدرته على التخطيط.
وحين تسمح الدولة بتدفق غير منظم للأيدي العاملة، فهي لا “تفتح قلبها”، بل تفتح جرحا في كيتنها الاجتماعي التنموي معا وتساهم في ااضغط على فرص العمل الهشة أصلًا والتوسع في الاقتصاد غير المنظم
وتراجع الأجورت والتوترات الاجتماعية الناتجة عن فقدان الوظائف وتسرب الامتيازات المخصصة للمواطنين.
و اختلال الخدمات العامة نتيجة الضغط غير المدروس، و الدولة التي لا تضبط هذا المسار، لا تكون إنسانية، بل تكون غير مسؤولة.

ثانيًا: لماذا تُخصَّص القيود أحيانًا لدول دون أخرى؟
هنا تكمن المغالطة الكبرى.
في كل دول العالم تقريبًا، من الولايات المتحدة إلى أوروبا إلى الخليج، السياسات لا تُصاغ حسب الأعراق، بل حسب الوقائع الإحصائية.
عندما تكون:
70% من الهجرة غير النظامية قادمة من دول بعينها
80% من العمل غير المنظم يرتبط بجنسيات محددة
60% من شبكات التهريب تنشط عبر مسارات جغرافية معينة
وبهذا يكون تخصيص الإجراءات لتلك المسارات ليس عملا موجها بدوافع عنصرية ، بل استجابة عقلانية للواقع.
هذا ما تفعله:
الولايات المتحدة مع دول أمريكا اللاتينية
أوروبا مع دول الساحل والقرن الإفريقي
أستراليا مع جنوب شرق آسيا
ولا أحد يصف ذلك بـ”الاستهداف العرقي”، بل بـإدارة المخاطر.
و موريتانيا – ورغم الضغط الكبير على مواردها – لم تتخذ أي إجراءات انتقائية ولا مخصصة بل فرضت نظاما موحدا أدارته بالحوار والتنسيق مع الدول الجارة الشقيقة مصدر المهاجرين غير الشرعيين .

ثالثًا: حماية فرص العمل ليست كراهية للأجانب
موريتانيا اليوم تنفذ برامج تنموية ضخمة في:
الطاقة، التعدين، البنية التحتية، الزراعة، الموانئ والخدمات، التعليم، الصحة… الخ
هذه المشاريع تنتج فرص العمل وتوسع التغطية الخدمية بشق الأنفس، في اقتصاد محدود الموارد.
فهل من المنطقي أن تسمح الدولة بأن تتحول هذه الفرص، الممولة من ضرائب الموريتانيين ومن قروض باسمهم، إلى مورد مفتوح أمام تدفقات غير شرعية ولا مضبوطة؟
فالدفاع عن العامل الموريتاني ليس عنصرية، بل هو جوهر العقد الاجتماعي .

رابعًا: هذه سياسة دولة، وليست سياسات أو اجتهادات أفراد فما يجري ليس حملة بوليسية ولا رد فعل وطنية على أحداث سياسية .
إنه:سياسة مكتوبة وقرارات إدارية و ترتيبات أمنية و تنسيق إقليمي ودولي.
أي أننا أمام نهج مؤسساتي، لا “استهدافًا” ولا “انتقامًا”.
الدولة لا تتصرف بوصفها فردا تنتابه الأهواء والانطباعات ، بل بوصفها دولة محكومة بالنظام والقوانين الخادمة والراعية لمصالح كل مواطنيها دون تمييز .

خامسًا: من يتاجر بالملف؟
الأكثر فجاجة في المشهد هو أن أكثر من يصرخ اليوم باسم “الحقوق ” : لم يقدم للموريتانيين يومًا برنامجًا لحماية فرص العمل ولم يقدمو تصورًا للتنمية أو سوق خطابًا وطنيًا جامعًا.
لم يناقش سياسة بديلة ولا اقترح تعحويرا أو تعديلات في نهم الدولة لحماية مواطنيها.
لم نسمع منه يوما، كيف نخلق الوظائف ولا كيف نضبط السوق أو نحمي الفئات الهشة.
ومن عرف الموريتاتيين جيدا ودرس تاريخهم السياسي والاجتماعي سيدرك قدرتهم على التفريق بين الأطر حات الوطنية و المشاريع الابتزازية.

وفي الختام يدرك الموريتانيون جيدا أن الهجرة غير النظامية، معادلة دقيقة بين الإنسانية والسيادة.
وموريتانيا، بما تتخذه اليوم من سياسات، لا تفعل سوى ما تفعله كل دولة تحترم نفسها: تحمي مجتمعها، واقتصادها، وفرص أبنائها، دون كراهية، ودون عنصرية، ودون انتقاء على أساس اللون أو الدين ودون قمع أو إهانة أو تجاوز لقيم واخلاقيات المجتمع المسلم أولا، والقوانين والأعراف الدولية ثانيا .
أما تحويل هذا الملف إلى معركة هويات، فليس دفاعًا عن المهاجرين، وإنما استغلال غير أخلاقي قد ضر أصحابه وجردهم من دعاوى الدفاع عن المستضعفين ولا تزال نتائج هذا الاستغلال الابتزاز يهوى بأصحابها إلى درك العزلة والفشل والانكشاف أم الشعب.

بقلم: محمد افو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى